"ماعتقدش محدش فينا مايعرفش الشخص ده"..
هارلند دافيد ساندرز، الرجل العجوز ذو الشعر الأبيض والابتسامة الدافئة، هو الواجهة الأشهر لأحد أعظم العلامات التجارية في العالم: كنتاكي فرايد تشيكن (KFC). لكن ما لا يعرفه كثيرون أن هذا الرجل لم يعرف طعم النجاح الحقيقي إلا بعد أن تجاوز الـ65 من عمره!طفولة صعبة.. ومسؤولية مبكرة
وُلد ساندرز في عام 1890 في ولاية إنديانا الأمريكية، وكان والده عاملًا بسيطًا في منجم فحم. توفي والده فجأة عندما كان ساندرز لا يزال في السادسة من عمره، فاضطرت والدته إلى العمل لإعالة العائلة. أصبح ساندرز، رغم صغر سنه، مسؤولًا عن إخوته، وتعلّم الطهي مبكرًا ليطعمهم، حتى أنه في سن السابعة كان يتقن إعداد وجبات عديدة، منها الدجاج المقلي الذي أصبح فيما بعد سر شهرته.من مهن بسيطة إلى دخول الجيش
ساندرز لم يحصل على تعليم مستقر، وعمل في وظائف متعددة مثل ملقم فحم، سائق عبارة نهرية، بائع بوالص تأمين، وحتى محامٍ لفترة قصيرة، قبل أن يُطرد بسبب شجار داخل المحكمة. تنقل في الحياة وتعلم من كل وظيفة شيئًا جديدًا، وكلما سُدت أمامه الأبواب، طرق أبوابًا جديدة دون ملل أو يأس.بداية مشروع الدجاج المقلي
في الأربعين من عمره، قرر ساندرز البدء بمشروعه الخاص، فأنشأ مطعمًا صغيرًا داخل محطة بنزين، حيث كان يقدم للمسافرين أطباقًا من الدجاج المقلي باستخدام وصفته الخاصة التي عمل على تطويرها سنوات طويلة. نال دجاجه إعجاب الجميع، وبدأ يكسب شهرة محلية، وواصل تحسين "خلطته السرية" التي تتكون من 11 نوعًا من التوابل والأعشاب.لقب الكولونيل.. والضربة القاصمة
في عامه الـ45، نال ساندرز لقب "كولونيل كنتاكي" الفخري من حاكم الولاية، تقديرًا لمهارته في الطهي ومساهمته في سمعة الولاية. لكن النجاح لم يدم طويلًا، إذ تغير مسار الطريق السريع الذي كان يمر بجوار مطعمه، فتقلص عدد الزبائن، وتراكمت عليه الديون، واضطر لبيع مطعمه وممتلكاته، وعاش على دخل التأمين الاجتماعي.
البداية الحقيقية في عمر الـ65
عند سن 65، وهو السن الذي يتقاعد فيه معظم الناس، قرر ساندرز أن يبدأ من جديد. حمل قدره، ووصفته السرية، وبدأ في التنقل من مطعم إلى آخر، يعرض وصفته عليهم مقابل نسبة من الأرباح. معظمهم رفضوا، لكنه لم يستسلم.وبعد طرقه لأكثر من 1000 باب، بدأ الحظ يبتسم له. وافق أحد أصحاب المطاعم على تجربة وصفته، وكانت النتيجة مذهلة! وانتشر اسمه في عالم المطاعم، وتحولت وصفته إلى علامة تجارية.
من دجاج إلى ملايين الدولارات
في غضون 12 عامًا، أصبح هناك أكثر من 600 مطعم يبيع "دجاج الكولونيل ساندرز"، تحت علامة "كنتاكي". وفي عام 1964، قرر ساندرز بيع حقوق الامتياز لمستثمرين مقابل 2 مليون دولار (ما يعادل أكثر من 20 مليون دولار اليوم). لم يتوقف النجاح عند هذا الحد:في 1966 أصبحت KFC شركة مساهمة عامة.
في 1971 تم بيعها مقابل 275 مليون دولار.
في 1986 اشترتها شركة "بيبسي" مقابل 840 مليون دولار!
ساندرز في التسعين.. جولة حول العالم
حتى وهو في التسعين من عمره، لم يكتفِ ساندرز بالجلوس في المنزل. بل قرر أن يزور جميع فروع كنتاكي حول العالم، وقطع أكثر من 250 ألف ميل في جولة دولية، ليتفقد بنفسه نجاح مشروعه الذي بدأه من العدم. أصبحت سلسلة مطاعم كنتاكي تضم أكثر من 33 ألف موظف، وتنتشر في أكثر من 100 دولة.دروس من قصة ساندرز
قصة هارلند ساندرز مليئة بالعِبر والدروس، وأهمها:العمر مجرد رقم: لم يكن عمره عائقًا أبدًا، بل كان دافعًا لبداية جديدة.
الفشل ليس النهاية: طُرد من أعمال كثيرة، لكنه استمر في المحاولة.
الإصرار هو المفتاح: طرق أكثر من 1000 باب حتى نجح.
البساطة قد تصنع المعجزات: مجرد وصفة دجاج كانت كافية لتغيير حياته.
إذا شعرت يومًا أن الأوان قد فات لبدء شيء جديد، أو أن الفشل نهاية الطريق، فتذكّر فقط وجه الرجل على علبة دجاج كنتاكي. هذا ليس مجرد شعار، بل قصة إنسانية عميقة لرجل قرر ألا يتقاعد من أحلامه.