شريف عثمان.. من محل ألبان إلى منصة التتويج البارالمبية
حين يُذكر اسم شريف عثمان في عالم الرياضة، يتبادر إلى الذهن فورًا مشهد التتويج بالميدالية الذهبية في ثلاث دورات بارالمبية متتالية: بكين 2008، لندن 2012، ريو 2016. لكن خلف هذا الإنجاز الباهر تقف قصة كفاح عظيمة بدأت برفض توظيفه بسبب إعاقته، وانتهت بتكريمات دولية وميداليات من ذهب.البداية من المنيا.. ومن الإصرار تولد الإنجازات
وُلد شريف عثمان خليفة عثمان في محافظة المنيا، وتخرج في كلية الآداب قسم اللغة العربية، دون أن يضع لنفسه هدفًا رياضيًا واضحًا بعد التخرج. كأي شاب يبحث عن فرصة، عمل في عدة وظائف بسيطة: ساعي، بائع إكسسوارات، بائع جلد، ثم كاشير في متجر.لاحقًا، انتقل إلى القاهرة سعيًا وراء فرصة أفضل، وتقدّم للعمل في محل ألبان، لكن صاحب العمل رفض توظيفه، معللًا أن المحل لا يحتاج موظفين إضافيين. الواقع؟ أنه لاحظ إعاقته ورفضه لذلك السبب. لكنّ هذا الرفض كان بداية التحوّل.
شرارة الحلم بدأت من احتفال بسيط
في أحد الأيام، حضر شريف احتفالية اليوم العالمي للطفل المعاق في أحد الأندية، وشاهد مَن وصفهم لاحقًا بـ"الناس اللي لابسة بدل وسلام جمهوري وبوسترات كبيرة". فسأل عنهم، فقيل له إنهم يمثلون مصر في البطولات الدولية. عندها قال كلمته الشهيرة:"السنة الجاية في نفس اليوم همشي في التراك ده مع الناس دي".
لم تكن مجرد جملة حماسية، بل كانت وعدًا التزم به.
أول الذهب في بكين.. والانطلاق نحو القمة
جاءت أول انطلاقة حقيقية لشريف عثمان في دورة بكين 2008، حيث رفع وزن 56 كجم وانتزع الميدالية الذهبية عن جدارة، ليلفت الأنظار بقوة كلاعب بارالمبي فذ.استمر في التفوق خلال أوليمبياد لندن 2012، محافظًا على اللقب الذهبي في فئته. وفي دورة ريو دي جانيرو 2016، لم يكتفِ بالفوز، بل حطم الرقم القياسي العالمي برفعه 211 كجم، متجاوزًا الرقم السابق 210.5 كجم، متفوقًا على الإنجليزي علي جواد والصيني يونج جوانز.
3 بطولات عالم.. الذهب لا يُملّ
لم تقتصر إنجازات شريف عثمان على الدورات البارالمبية، بل أحرز بطولة العالم لرفع الأثقال ثلاث مرات:2006 – كوريا
2010 – ماليزيا
2014 – الإمارات
بفضل هذه النجاحات، أصبح شريف رمزًا عالميًا في رياضة رفع الأثقال البارالمبية، وقدوة لمئات الرياضيين من أصحاب الهمم.
تكريمات رسمية وحفاوة شعبية
في يناير الماضي، شارك عثمان في احتفالية يوم الشباب المصري بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، حيث عُرض فيديو يحكي مشواره الملهم، كما التقط صورة تذكارية مع الرئيس، وبجواره البطلة سارة سمير (برونزية رفع الأثقال في الأوليمبياد) وخلفه هداية ملاك (برونزية التايكوندو).وفي لفتة إنسانية راقية، قام السفير البريطاني في مصر جون كاسن بتهنئته شخصيًا على موقع تويتر، وكتب:
"شريف عثمان وعلي جواد بيعيّدوا على مصر وبريطانيا بذهب وفضة.. مبروك للأبطال اللي فرحونا".
شريف عثمان.. بطل وأيقونة
شريف عثمان لم يكن بطلًا فقط بالأرقام والميداليات، بل برحلته من الظل إلى القمة. لم يترك الإعاقة تُعرقل طريقه، ولم يستسلم لواقع الرفض والتهميش. بل حوله إلى حافز، ومن الرفض في محل الألبان إلى التكريم في الأوبرا.أصبح قدوة حقيقية لكل من يبحث عن الإلهام، ويثبت يومًا بعد يوم أن النجاح لا يُقاس بعدد الخطوات الأولى، بل بعدد مرات الإصرار والعودة بعد كل سقوط.
قصة شريف عثمان ليست مجرد سطور عن رياضي ناجح، بل هي رحلة إصرار وإرادة وتحدٍ. بطل رفع الأثقال البارالمبي الذي رفض الواقع المفروض وصنع مستقبله بنفسه، حفر اسمه في سجل التاريخ الرياضي المصري والعالمي.
فهل سيقف عند ثلاث ذهبيات فقط؟ أم أن القادم أعظم؟ ننتظر ونُشجّع.