تاريخ شركة ياهو و القرارات الخاطئة

تاريخ شركة ياهو و القرارات الخاطئة

شركة ياهو.. من عملاق رقمي إلى لغز محير: ما الذي حدث خلال 17 عامًا؟


شركة ياهو: رحلة الغموض بين الإعلام والتكنولوجيا


منذ تأسيس شركة «ياهو» في منتصف التسعينات، وحتى اللحظة، لم يتمكن الكثير من المحللين، أو حتى مسؤولي الشركة أنفسهم، من تقديم تعريف واضح ومحدد لما تمثله الشركة بالفعل. فبينما بدأت كدليل للويب، ثم تحولت إلى بوابة إنترنت، ثم مزود بريد إلكتروني، ثم موقع أخبار وترفيه، بات من الصعب اليوم تصنيف «ياهو» ضمن قالب محدد.

في عام 2010، زار الصحفي ديفيد كار المدير التنفيذي للشركة آنذاك، كارول بارتز، والتي رغم كونها واضحة في معظم إجاباتها، إلا أن سؤال «ما هي ياهو؟» بقي دون إجابة شافية. وهو نفس السؤال الذي ورثته ماريسا ماير، التي تم تعيينها لاحقًا مديرة تنفيذية، وهي واحدة من أبرز العقول القادمة من شركة «غوغل»، لكنها ورثت شركة ما زالت تحاول اكتشاف نفسها.

ياهو كمصدر إعلامي.. عن طريق الصدفة

رغم موقعها في وادي السيليكون، ووجود آلاف المهندسين والمبرمجين، لا يعرف المستخدمون «ياهو» كشركة تكنولوجيا بقدر ما يتعاملون معها كمصدر للمعلومات والأخبار. وحسب إحصائيات موقع «comScore»، تصدرت «ياهو» المرتبة الأولى في عشر فئات محتوى مختلفة مثل الأخبار، الشؤون المالية، الترفيه، الرياضة، والعقارات.

في يونيو من عام ما، وصل عدد المستخدمين النشطين في الولايات المتحدة فقط إلى أكثر من 167 مليون مستخدم، بمتوسط يومي يبلغ 30 مليون مستخدم. عالميًا، يتردد على الموقع نحو 700 مليون مستخدم شهريًا، بـ30 لغة مختلفة.

منصة للأخبار بخلطة تقنية وإنسانية
ما يجعل الصفحة الرئيسية لموقع «ياهو» جذابة هو قدرتها على عرض أخبار مختارة بعناية فائقة. صحيح أن الأخبار ليست بعمق المؤسسات الإعلامية الكبرى، لكنها تملك سحرًا خاصًا يدفع المستخدم للنقر. يتمتع المحررون في «ياهو» بإمكانية الوصول لبيانات فورية حول التفاعل، مما يتيح لهم تعديل المحتوى باستمرار، والتخلص من المقالات ذات الأداء الضعيف.

المقارنة بين الصفحة الرئيسية لـ«ياهو» وصفحات مواقع مثل «AOL» توضح الفارق الكبير في الجاذبية والتفاعل. «ياهو» استطاعت الدمج بين الخوارزميات والاختيارات البشرية بطريقة ذكية لخلق تجربة مستخدم فريدة.

تجارب تحريرية مشتتة
رغم هذا النجاح النسبي، عانت الشركة من عدم وجود استراتيجية تحريرية موحدة. فعلى سبيل المثال، بدأت خدماتها الإخبارية بتمويل تقارير وكالة أسوشييتد برس، ثم بدأت في ضم صحفيين خاصين بها، وأطلقت مدونات في مجالات مختلفة. الخدمة الرياضية كانت من أنجح مشاريعها، وتم استغلال أرباحها لتوسيع نطاق المحتوى، لكن ذلك لم يكن مبنيًا على خطة إعلامية واضحة، وإنما أشبه بمحاولات منفردة من فرق مختلفة.

هذا التشتت أدى إلى ظهور ما يشبه الإقطاعيات التحريرية داخل الشركة، حيث تتنافس الفرق فيما بينها لجذب انتباه الصفحة الرئيسية دون تنسيق جماعي.

التحول إلى منصة أخبار لم يكن مقصودًا

وفقًا لكريس ليمان، الذي شغل منصب رئيس تحرير في «ياهو»، لم تكن هناك نية حقيقية لجعل «ياهو» منصة أخبار. بل إن الأخبار كانت تُستخدم كوسيلة لتحقيق الأرباح، وليس كهدف بحد ذاته. وهو ما أكده أيضًا جون كوك، أحد المدونين السابقين بالشركة، حين أشار إلى أن الشركة كانت تفتقر لآلية إنتاج محتوى إخباري احترافي.

ياهو في مواجهة التحديات التكنولوجية

في السنوات الأخيرة، ورغم عدم انهيارها الكامل، تعاني «ياهو» من الركود. خسرت المنافسة في مجال البحث لصالح «غوغل»، وفشلت في ملاحقة «فيسبوك» في مضمار الشبكات الاجتماعية. وعلى الرغم من وصول أرباح الربع الثاني في إحدى السنوات إلى 226 مليون دولار، فإن هذا لا يعكس نجاحًا حقيقيًا، بل مجرد استمرار في البقاء.

والتحدي الأكبر اليوم هو الانتقال من هيمنة أجهزة الكمبيوتر إلى عالم الهواتف المحمولة. «ياهو» تقدم محتوى يناسب شاشات كبيرة، ولكن لم تنجح بعد في تقديم تجربة جوال قوية، وهي معضلة تواجهها معظم الشركات التقليدية في عالم الإعلام الرقمي.

: ما هي شركة ياهو حقًا؟

رغم كل ما سبق، يبقى السؤال كما هو: ما هي «ياهو»؟ شركة تقنية؟ بوابة إعلامية؟ منصة بريد إلكتروني؟ الجواب لا يزال غامضًا حتى الآن. وربما تكمن المشكلة الحقيقية في أن «ياهو» لم تقرر يومًا ما الذي تريده أن تكون عليه.

هل تستطيع قيادات مثل ماريسا ماير أن تغير هذا الواقع؟ ربما، ولكنها تحتاج أولًا للإجابة عن هذا السؤال الحرج: ما هي شركة ياهو؟