في صورة نادرة تجمع بين قمتين من قامات الطب والعلم والإنسانية، زار السير د. مجدي يعقوب مركز الكُلى والمسالك البولية في سمنود، حيث كان في استقباله د. محمد غنيم، الطبيب الذي غيّر وجه الطب في الدلتا، وصانع أعظم قصة طبية واقعية في مصر. هذا اللقاء لم يكن مجرد زيارة، بل لحظة جمعت بين رمزين من رموز العطاء غير المحدود، وتجسيد حي لمعنى أن تكون "غنيًّا" بما تقدمه للناس لا بما تملكه.
مجدي يعقوب: القلب الكبير وراء آلاف القلوب الجديدة
ولد السير مجدي حبيب يعقوب عام 1935 في مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية لعائلة قبطية أرثوذكسية. شغفه بالطب دفعه لدراسة الطب بجامعة القاهرة، ومن ثم إلى شيكاغو، ليستقر لاحقًا في المملكة المتحدة، ويبدأ رحلة عالمية في جراحة القلب. من مستشفى هارفيلد بلندن، حيث أجرى آلاف العمليات، إلى المعهد القومي للقلب والرئة، لم يكن مجرد جراح، بل قائد في تطوير تقنيات زراعة القلب منذ ستينيات القرن الماضي.ما جعله "ملك القلوب" لم يكن مهارته الجراحية فقط، بل قدرته الاستثنائية على العطاء. فقد أنشأ مؤسسات خيرية مثل مؤسسة مجدي يعقوب لأمراض وأبحاث القلب في أسوان، والتي تعالج الآلاف بالمجان. حتى بعد تقاعده، لم يتوقف، فقد عاد في 2006 ليجري جراحة نادرة لإزالة قلب مزروع بعد تعافي القلب الطبيعي للمريضة.
كرمته الملكة إليزابيث الثانية بلقب "فارس"، ومنحته وسام الاستحقاق البريطاني Order of Merit عام 2014، وهو وسام نادر يُمنح لقلة من الأشخاص الذين ساهموا بشكل استثنائي في خدمة البشرية.
محمد غنيم: أيقونة زراعة الكلى وصانع نهضة الطب في المنصورة
في الجهة الأخرى من هذه اللوحة الإنسانية، يقف الدكتور محمد أحمد غنيم، الذي وُلد عام 1939، وتخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وتخصص في جراحات الكلى والمسالك البولية. كان أول من أجرى جراحة زراعة كلى في مصر عام 1976، ومع هذا الإنجاز، لم يبحث عن الأضواء، بل عمل في صمت من أجل تأسيس صرح طبي يفوق مجرد النجاح الشخصي.وهكذا تأسس مركز غنيم للكلى والمسالك البولية في مدينة المنصورة عام 1983، بعد جهد استمر لسنوات، وبتمويل محلي ودولي، وإرادة فولاذية. لم يكن مجرد مركز طبي، بل أول مؤسسة طبية متخصصة بزراعة الكلى في الشرق الأوسط، وحقق المعادلة الصعبة بين التميز الطبي والانضباط الإداري. اختار الدكتور غنيم التفرغ الكامل له، ولم يفتح عيادة خاصة قط، حتى أن الأموال التي كان يجنيها من العمليات الجراحية خارج مصر كان يودعها لصالح المركز.
حصل د. غنيم على جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة مبارك في العلوم الطبية، وعشرات الأوسمة المحلية والدولية، وأصدر أكثر من 130 بحثًا و47 كتابًا علميًا، وساهم في تدريب أطباء من مختلف أنحاء العالم.
اللقاء الإنساني في مطعم العاملين بسمنود
جاءت الصورة المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للدكتور مجدي يعقوب رفقة الدكتور محمد غنيم وهما يتبادلان الأحاديث والابتسامات في مطعم العاملين بمعهد الكلى بسمنود لتلخص كل شيء. صورة تخلو من الرسمية، مفعمة بالتواضع، وتحمل رسالة إنسانية عظيمة: أن عظماء الطب في مصر هم أيضًا عظماء في التواضع، في الوفاء، وفي البذل من أجل الآخر.هذا اللقاء لم يكن بروتوكوليًا، بل بمثابة تكريم روحي لكل ما قدمه هذان العملاقان للبشرية، ولكل من يعمل بصمت في الظل، يعالج، يُعلِّم، ويمنح من عمره للناس.
الطب رسالة لا مهنة
اجتمعت في هذا المشهد رمزية عالية: رجل قادم من أقصى الجنوب (أسوان) حيث أسس مركزًا عالميًا لجراحات القلب، يزور رجلًا صنع من المنصورة منارة لطب المسالك والكلى. كلاهما لم يبحث عن الثروة، ولم يلهث خلف المناصب، بل كرسا علمهما ووقتهما لخدمة الإنسان. وكأن الزيارة تقول: "نحن هنا، نعمل، نُعطي، ونصنع الفرق".نموذج نادر يُحتذى به
في وقت كثرت فيه نماذج النجاح الزائف المرتبطة بالمال والسلطة، يُثبت كل من يعقوب وغنيم أن هناك نوعًا آخر من الغنى: غنى الروح، وغنى القلب، وغنى العطاء. ذلك الغنى الذي لا يتناقص، بل يتضاعف كلما وُزِّع على الآخرين.زيارة د. مجدي يعقوب إلى معهد الكلى بسمنود ولقاؤه بالدكتور محمد غنيم ليس مجرد حدث طبي أو اجتماعي، بل هو لقاء رمزي عظيم يُعيد التذكير بأن العطاء هو أغنى ما يملكه الإنسان. وأن الطب الحقيقي لا يُقاس بعدد الشهادات أو الجوائز، بل بما تُحدثه من فرق في حياة الآخرين.