كيف نستعيد السعادة التي فقدناها؟ نظرة داخلية إلى مفاتيح الفرح الحقيقي
أعتقد أن الكثير منّا، خاصةً بعد اجتياز سن العشرين، يبدأون في البحث عن السعادة. غالبًا لا يجدونها كما كانت أيام الطفولة، حين كانت البساطة تُشعل فينا شرارة الفرح. تلك اللحظات التي يوقظها مشهد من "أبطال الديجيتال" أو صوت رشا رزق في مقدمة "دروب ريمي"، أو حتى لعبة قديمة وجدناها في أحد الأدراج المنسية.
فجأة نجد أنفسنا نبتسم، وربما ننطق لا إراديًا: "ليتنا لم نكبر" أو "ليتنا نعود أطفالًا". لكن، ما الذي تغيّر؟ ولماذا لم نعد نشعر بالسعادة كما كنا؟
هل السعادة مرتبطة بعمرٍ معين؟ أم بزمن مضى؟
في رحلة بحثي عن إجابة، وجدت ما قاله الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو في كتاب "المنوّر":
"عندما تكبر ستريد أن تكون سعيدًا. أنت الآن لا تفكر في الأمر ولهذا بالذات أنت سعيد. عندما ستفكر، عندما تريد أن تكون سعيدًا، ستكفّ عن البقاء سعيدًا. إلى الأبد. وكلما كانت رغبتك في السعادة أقوى، ستكون أكثر تعاسة."
عبارة تلامس العمق، وتكشف أن السعادة ليست شيئًا نسعى له خارجيًا، بل شيئًا نكونه.
وهنا أعود لما قالته بثينة العيسى في كتاب "قيس وليلى والذئب" حين وصفت السعادة بأنها اختيار.
نعم، السعادة قرار. نحن كنا سعداء في طفولتنا لأننا ببساطة قررنا أن نكون سعداء بأقل القليل.
ببعض الحصى، بعصا خشبية، أو ببضع حبات من "البلي" صنعنا عالمًا كاملاً من الفرح.
أما اليوم، فربطنا السعادة بأشياء مادية: سيارة فارهة، موبايل جديد، أو حتى قضاء العطلة في الساحل الشمالي.
وبذلك، ضللنا طريق السعادة. لأننا ببساطة نبحث عنها في أماكن لا تسكنها.
فالسعادة الحقيقية لا ترتبط بما نملك، بل بكيفية نظرنا لما نملك.
دعني أخبرك أين يمكنك أن تجد السعادة الآن، دون أن تدفع شيئًا:
في كوب شاي يُصب في الثامنة مساءً بين أفراد أسرتك.
في كتاب قديم تفوح منه رائحة الزمن الجميل.
في بخار قهوة يرتفع من كنكة نحاسية على نار هادئة.
في قطعة شوكولاتة تتذوقها وأنت تقرأ كتابًا أحببته.
في لمسة من طفل صغير أو ضحكة صديق قديم.
في كوب شاي بثلاثة جنيهات في قهوة بلدي، يحيط بك فيها حديث خفيف وقلوب دافئة.
في سندوتش شاورما سوري أو وجبة كومبو من مطعم بسيط.
في كوب سحلب شتوي تدفئ به يديك، أو مشية هادئة بلا وجهة.
في تأمل السماء منتصف الليل أو شروق الفجر الباكر.
في نزهة بشارع المعز، أو زيارة لمعرض الكتاب، حتى لو لم تشترِ شيئًا.
السعادة ليست مكانًا نصل إليه، بل زاوية نختار أن ننظر منها.
كما قال مصطفى محمود في كتاب الخروج من التابوت:
"تذكّر أن السعادة ليست حظًا ولا بختًا، وإنما هي قدرة. أبواب السعادة لا تُفتح إلا من الداخل، من داخل نفسك."
فلا تبحث عن السعادة في أشياء وهمية؛ لا تنتظرها من سفر أو من مرتب أو من علاقة.
ابدأ من داخلك، وامنح الأشياء حولك بعضًا من ألوانك الداخلية.
أختم بكلمات الرافعي التي تسكب المعنى في القلب:
"في جمال النفس يكون كلُّ شيء جميلاً... تُلقي النفسُ عليه من ألوانها، فتنقلب الدارُ الصغيرةُ قصرًا لأنها في سَعَة النفس لا في مساحتها هي... ويظهر الليلُ كأنه معرضُ جواهر أقيم للحور العِين."
السعادة حولك، في كل شيء، فقط انظر جيدًا.