ما هو موقع خان أكاديمي الذي ذاع صيته مؤخرا

ما هو موقع خان أكاديمي الذي ذاع صيته مؤخرا
في عام 2004، بدأت قصة ملهمة غيّرت شكل التعليم حول العالم، بطلها هو سلمان خان، وهو أمريكي من أصول بنغالية، كان يعمل في مجال المال والاستثمار. كانت بدايته بسيطة؛ فقد أراد فقط مساعدة ابنة عمه "نادية"، البالغة من العمر 13 عامًا، على فهم بعض دروس الرياضيات. لكنها كانت تعيش على بعد 2000 كيلومتر منه، ما جعله يستخدم الإنترنت والاتصالات الرقمية ليشرح لها.

لم يكن يدري حينها أن هذا القرار الصغير سيقود إلى إنشاء واحدة من أكبر المنصات التعليمية في العالم. بعد أن رأى أن أسلوبه في الشرح فعّال ومفيد، بدأ بتسجيل هذه الدروس على هيئة مقاطع فيديو ورفعها على موقع YouTube، ليتسع بعدها نطاق الاستفادة تدريجيًا حتى تجاوز عدد المستفيدين من دروسه أكثر من 80 مليون شخص من شتى أنحاء العالم.

ترك خان عمله المرموق في القطاع المالي عام 2009، ليكرس نفسه بالكامل لتسجيل الدروس التعليمية. قام بتغطية مواد متنوعة تشمل الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الأحياء، الاقتصاد، التاريخ، علوم الكمبيوتر وغيرها، مع الالتزام بإنتاج خمسة دروس أسبوعيًا، تتراوح مدة كل درس بين 8 و15 دقيقة.

لماذا قرر أن يقدم كل هذا بدون مقابل؟

سلمان خان كان يحمل رؤية واضحة: أن التعليم يجب أن يكون متاحًا للجميع، خاصة للطلاب الذين لا يستطيعون الذهاب للمدارس بسبب ظروفهم المادية. وأدرك أن الإنترنت يمكن أن يكون الحل. فبإمكان أي طالب مشاهدة الشروحات في أي وقت يناسبه، حتى بعد العودة من العمل أو المساعدة في البيت، كما يمكنه أن يتقدم للامتحانات كطالب منتسب لاحقًا.

ورغم إعجاب الناس بجهوده، فإن خان واجه تحديًا كبيرًا؛ فزوجته منحته عامًا واحدًا ليجد مصدر دخل بديل بعد استقالته من وظيفته. التعليقات الإيجابية التي تلقاها على الإنترنت لم تكن كافية لإطعام عائلته.

المفاجأة التي غيّرت كل شيء!

في لحظة فارقة، تلقى خان دعمًا غير متوقع من مؤسس مايكروسوفت، بيل جيتس، الذي تبرع له بمبلغ 1.5 مليون دولار، وأثنى على مشروعه قائلاً إنه يمثل "ثورة في التعليم تستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسانية". كما أشار إلى أن أطفاله شخصيًا يستفيدون من دروس خان.

لاحقًا، قدمت له شركة Google تبرعًا بقيمة 2 مليون دولار، مما ساهم في تأسيس بنية تحتية لأكاديمية تعليمية مجانية شاملة تعرف اليوم باسم Khan Academy.

من الإنترنت إلى المدارس

النجاح الإلكتروني جعل بعض المدارس تتبنى هذا النموذج الجديد. ففي ولاية كاليفورنيا، اعتمدت مدرسة رسمية دروس خان في الصفين الخامس والسادس، نظرًا لطريقة شرحه الفريدة التي لاقت إعجاب المعلمين والطلاب.

خان اقترح نظامًا مبتكرًا: أن تتم مشاهدة الشروحات في المنزل، بينما يُخصص وقت الحصص لحل التمارين ومساعدة الطلاب حسب احتياجاتهم الفردية. هذا يعكس فلسفة تعليمية حديثة تُعرف بـ "الفصل المقلوب" (Flipped Classroom).

أسلوب فريد في الشرح

واحدة من الأمور التي تميز دروس سلمان خان هي أنه لا يُظهر وجهه في الفيديو، بل يكتفي بصوته ويكتب الملاحظات بخط يده على الشاشة. يعتقد أن غياب الوجه يساعد على التركيز، وخط اليد يمنح الطالب شعورًا بالتواصل الشخصي مع المعلم.

وأدخل مؤخرًا ميزة تحفيزية في الأكاديمية، وهي الأوسمة الافتراضية التي تُمنح للطلاب عند الإجابة الصحيحة على جميع الأسئلة، مما شجع آلاف الطلاب على التفاعل والاستمرار.


الترجمة إلى لغات متعددة

رغم أن الدروس الأصلية كانت بالإنجليزية، إلا أن شعبية الأكاديمية دفعت متطوعين من مختلف الجنسيات إلى ترجمتها إلى لغات متعددة، وكان أبرزهم المتحدثون بالإسبانية. حاليًا، تتوفر محتويات Khan Academy بلغات عدة، بما فيها العربية، لتصل رسالتها إلى أكبر عدد ممكن من الطلاب حول العالم.

أين يمكن متابعة أكاديمية خان؟

كل هذه الدروس متوفرة بشكل مجاني على موقع الأكاديمية الرسمي:
https://www.khanacademy.org

كما يمكن متابعة القناة التعليمية عبر YouTube، والاستفادة من مئات الدروس المصنفة حسب الفئة الدراسية والمادة.


قصة سلمان خان تبرهن أن التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة قوية لتحقيق العدالة في التعليم. قراره الفردي بمساعدة قريبته، تحول إلى حركة تعليمية عالمية فتحت الأبواب أمام ملايين الطلاب. خان لم يغيّر فقط طريقة التعليم، بل غيّر مصير أجيال كاملة. قصة تستحق أن تُروى، وأن تُستلهم.