لماذا يوجه الإنسان غضبه للمقربين؟ الأسباب النفسية وراء التصرفات العدوانية | في علم النفس

لماذا يوجه الإنسان غضبه للمقربين؟ الأسباب النفسية وراء التصرفات العدوانية | في علم النفس



"لماذا نوجه غضبنا إلى أحبائنا؟ فهم ظاهرة "الهدف الآمن" وكيفية التعامل معها"


غالبًا ما يشعر الإنسان بالغضب تجاه الأشخاص الذين يحبهم أكثر من أي شخص آخر. هل سبق لك أن تساءلت لماذا يحدث ذلك؟ على الرغم من أن هذا السلوك يبدو غير مبرر في كثير من الأحيان، إلا أن هناك تفسيرًا نفسيًا مثيرًا لهذا التصرف، يتمثل في مفهوم يُسمى "الهدف الآمن" (Safe Target). الفكرة الأساسية لهذا المفهوم هي أن الشخص عندما يكون مع شخص مقرب جدًا أو عزيز عليه، يشعر بالأمان الكافي ليعبّر عن غضبه دون أن يخشى أن تؤثر هذه التصرفات على العلاقة بينهما. لنتعرف في هذا المقال على هذا المفهوم من خلال بعض الأمثلة الواقعية والدراسات النفسية التي تشرح لنا هذا السلوك بشكل أفضل.

أمثلة واقعية عن الغضب تجاه المقربين:
في إحدى الأيام، كان كريم في طريقه إلى العمل عندما قابل شقيقه شريف وصديقه ماجد. بينما كان ماجد جالسًا في هدوء بجانب السيارة، توجه كريم بغضب شديد إلى شريف فقط، حيث بدأ في توجيه كلمات قاسية له دون مبرر. على الرغم من أن ماجد كان بجانبهم، لم يُظهر كريم أي نوع من الغضب تجاهه. هذا التصرف قد يبدو غريبًا بعض الشيء، ولكن إذا فهمنا مفهوم "الهدف الآمن"، سنكتشف أن كريم كان يدرك تمامًا أن شريف هو الشخص الذي سيبقى بجانبه رغم تصرفاته الغاضبة.

مثل آخر يوضح هذه الفكرة هو الأستاذ سمير في عمله. على الرغم من أنه كان يشعر بالإرهاق بعد يوم طويل من العمل، وأخذ يسترخي في مكتبه، تجاهل مكالمات زوجته ريم التي كانت تتصل به للاطمئنان عليه. في المقابل، عندما اتصل به مديره، رد عليه بسرعة وبكل اهتمام. هذا التصرف يوضح أن سمير كان يعلم أن ريم ستظل تحبه وتقبل تصرفاته، بينما كان يشعر بضرورة أن يتعامل بحذر مع مديره للحفاظ على مهنية العلاقة.

دراسة دكتورة ديبورا ريتشاردسون حول الغضب:
في دراسة نشرتها الدكتورة ديبورا س. ريتشاردسون في عام 2014 تحت عنوان "الغضب اليومي يأخذ أشكالًا متعددة"، أكدت أن الإنسان غالبًا ما يُظهر غضبه تجاه الأشخاص الأقرب إليه. وقد قسم الغضب إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

الغضب المباشر: مثل التصرفات العدوانية الجسدية أو اللفظية.
الغضب غير المباشر: مثل نشر الشائعات أو التشهير.
الغضب السلبي: مثل التجاهل أو التأخير المتعمد في المواعيد.
وأشارت الدكتورة ريتشاردسون إلى أن الإنسان العادي يميل إلى توجيه غضبه إلى الأشخاص الذين يحبهم أكثر من أي شخص آخر. وهذا قد يبدو غير منطقي في البداية، لكنه مبرر من خلال "الهدف الآمن".

ما هو "الهدف الآمن"؟
الـ "هدف الآمن" هو الشخص الذي نثق فيه تمامًا ونعرف أنه سيظل إلى جانبنا مهما حدث. هؤلاء الأشخاص هم غالبًا أفراد العائلة المقربين، مثل الأمهات والآباء، الأزواج، والإخوة، وحتى الأصدقاء الذين يعرفوننا بشكل عميق. في كثير من الأحيان، نعتقد أن هذه العلاقات قوية لدرجة أن تصرفاتنا الغاضبة لن تؤدي إلى تدميرها. وهذا يجعلنا نشعر بأننا يمكننا التعبير عن غضبنا بحرية مع هؤلاء الأشخاص، حتى لو كان ذلك على حساب سلوكنا في بعض الأحيان.

قد يكون الغضب الموجه إلى هؤلاء الأشخاص بمثابة "تصريف" لتراكم مشاعر غير مُعالجة، أو نتيجة لضغوط الحياة اليومية. لكن هذا لا يعني أن هذا السلوك هو الطريقة المثلى للتعامل مع التوترات الداخلية.

كيف نتعامل مع "الهدف الآمن" بشكل أفضل؟
من المهم أن نعي أن الأشخاص الذين نعتبرهم "أهدافًا آمنة" في حياتنا هم في الواقع الأكثر تأثرًا بسلوكنا العدواني. لذلك، من الضروري أن نعاملهم بحذر وندرك أن تصرفاتنا قد تؤذيهم أكثر مما نتصور.

إليك بعض النصائح للتعامل مع الغضب بشكل أكثر إيجابية:

الوعي بالغضب: عند الشعور بالغضب، حاول أن تعي سبب مشاعرك أولًا. هل هو غضب حقيقي أم مجرد تراكم لمشاعر أخرى؟
التواصل المفتوح: بدلاً من توجيه الغضب مباشرة إلى الشخص المقرب منك، حاول التواصل بوضوح حول ما تشعر به وماذا تحتاج منه.
الصبر والاحترام المتبادل: العلاقة الصحية تحتاج إلى صبر واحترام. تأكد من أن تصرفاتك لا تُضر بالعلاقة.
التنفس العميق والهدوء: عند الغضب، حاول التنفس بعمق أو أخذ فترة من الراحة قبل الرد على الموقف. هذا يساعد على التحكم في ردود فعلك.
في الختام:
يعتبر الغضب جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية، ولكن عندما نوجهه إلى الأشخاص المقربين منا، قد يؤدي ذلك إلى تدمير علاقاتنا التي نعتز بها. من خلال فهم مفهوم "الهدف الآمن" وتجنب استغلاله، يمكننا بناء علاقات صحية ودائمة تقوم على الاحترام المتبادل. تعلم كيفية التحكم في غضبك واحتفظ بالعلاقة مع أحبائك قوية، لتظل محمية من أي تأثيرات سلبية.