بين ثقافة "نفسي نفسي" و"ننجح معًا": كيف تحدد الألعاب الشعبية قيم المجتمعات؟
تعتبر الألعاب الشعبية جزءًا أساسيًا من الثقافة الشعبية في جميع أنحاء العالم، حيث تساهم في تشكيل شخصيات الأطفال وتطوير سلوكياتهم الاجتماعية. وبينما تختلف طرق اللعب من مجتمع لآخر، فإن القيم التي تزرعها هذه الألعاب يمكن أن تكون شديدة التأثير في تشكيل الفرد والمجتمع بشكل عام. واليوم، سنتناول لعبة "الكراسي" الشهيرة التي تلعب في العديد من البلدان، لكن سننظر إليها من منظورين مختلفين، أحدهما من ثقافة مجتمعاتنا العربية، والآخر من ثقافة الأطفال في اليابان، لنتعرف على الفرق الكبير في القيم التي تتعلمها الأجيال الناشئة.
لعبة الكراسي في البلدان العربية
في البلدان العربية، لعبة الكراسي تحظى بشعبية كبيرة بين الأطفال. إذا كنت قد حضرت حفلاً للأطفال أو شاركت في نشاط جماعي من قبل، فمن المحتمل أن تكون قد شاهدت هذه اللعبة التي تقوم على وضع تسعة كراسي لعدد من الأطفال، ثم تبدأ الموسيقى في العزف بينما يجري الأطفال حول الكراسي. عندما يتوقف الصوت، يتعين على الأطفال العثور على كرسي ليجلسوا عليه. الطفل الذي يبقى بلا كرسي يُعتبر خاسرًا ويتم إخراجه من اللعبة.
مع مرور الوقت، يُقلص عدد الكراسي بشكل تدريجي حتى يبقى طفل واحد فقط يُعلن فائزًا. هذا النوع من الألعاب يرسخ في ذهن الطفل فكرة أن "النجاح يعني إزاحة الآخرين"، وأنه إذا أراد النجاح، عليه أن يتفوق على الجميع، حتى وإن كان ذلك على حساب الآخرين. هذه اللعبة تعكس جزءًا من الثقافة المجتمعية السائدة في بعض البلدان العربية، حيث يُنظر إلى التنافس الفردي والصراع على الموارد المحدودة كعوامل تؤدي إلى النجاح الشخصي.
لكن هذه الثقافة قد تكون مؤذية، لأنها تشجع على الفردية المفرطة وتعزز في نفس الطفل فكرة أن الآخرين يجب أن يُستبعدوا لكي يحصل هو على ما يريد. في الحياة اليومية، قد نجد تأثير هذا النوع من التفكير في سلوكيات الأشخاص، حيث يتم التركيز على تحقيق الذات على حساب الآخرين، مما يؤدي إلى تنامي الأنانية وعدم التعاون بين أفراد المجتمع.
لعبة الكراسي في اليابان
أما في اليابان، فتختلف لعبة الكراسي بشكل جذري. في نفس الظروف، حيث يتم تحديد عدد الكراسي ليكون أقل من عدد الأطفال، يُعلن للأطفال أنه إذا بقي أحدهم بلا كرسي، فإن الجميع سيخسرون. هذا التغيير البسيط في القاعدة الأساسية يساهم في تعزيز ثقافة التعاون الجماعي والمساعدة المتبادلة.
بدلاً من التنافس الفردي، يتعلم الأطفال في اليابان أن نجاحهم يعتمد على قدرتهم على العمل معًا. فالهدف ليس أن يكون هناك فائز واحد، بل أن جميع الأطفال يجب أن يساعدوا بعضهم البعض ليتمكنوا من الجلوس على الكراسي المتاحة دون أن يظل أي منهم واقفًا. وهذا يعزز فكرة أن "النجاح لا يتحقق إلا بمساعدة الآخرين". وبالتالي، يتعلم الطفل في هذا السياق أن التعاون والمساعدة المتبادلة هي الأساس لتحقيق الأهداف.
يُظهر هذا التوجه في اليابان كيف أن التفكير الجماعي والتعاون يمكن أن يكون له تأثير كبير على الفرد والمجتمع. فالطفل في هذا السياق ينشأ وهو يعتقد أن العمل الجماعي والتضامن هو الطريق إلى النجاح. كما أن هذا النوع من التفكير يظهر بشكل واضح في كيفية تعامل الناس في الحياة اليومية، حيث يُلاحظ أن اليابانيين أكثر تعاونًا وصبرًا في المواقف الاجتماعية، مما يسهل التنسيق بين الأفراد في العمل والأنشطة الجماعية.
الثقافة وتأثيرها على المجتمع
الفروق بين الثقافتين تعكس حقيقة أن الألعاب الشعبية لا تقتصر على كونها مجرد وسائل للترفيه، بل هي أدوات تشكيل قيم وسلوكيات الأطفال. في المجتمعات التي تركز على الفردية والتنافس، قد تجد أن الأنانية والاستئثار بالموارد هما السائدين. بينما في المجتمعات التي تركز على التعاون والمشاركة، مثل اليابان، يكون النجاح الجماعي هو الهدف الأساسي، مما يعزز القيم الإنسانية العالية مثل التعاطف، التضامن، والاحترام المتبادل.
وفي هذا السياق، قد يكون من المفيد أن نعيد التفكير في كيفية تصميم الأنشطة والبرامج للأطفال في مجتمعاتنا. هل من الأفضل تعليم الأطفال أن يكونوا فائزين على حساب الآخرين، أم ينبغي أن نزرع فيهم قيم التعاون والمساعدة المتبادلة؟ مع تطور المجتمعات، أصبح من المهم أن نعيد النظر في تأثير الألعاب الشعبية على جيل المستقبل.
ماذا يمكن أن نتعلم من هذا الاختلاف؟
ما يمكن أن نتعلمه من هذه الفروق بين الألعاب في الثقافتين هو أن النجاح لا يعني دائمًا التفوق على الآخرين، بل قد يكون أحيانًا في القدرة على العمل معًا. في عالم مليء بالتحديات والأزمات، قد يكون التعاون والمساعدة المتبادلة هما السبيل لتحقيق النجاح والازدهار للجميع.
إذا استطعنا نقل هذا النوع من التفكير إلى حياتنا اليومية، فقد نكون قادرين على خلق مجتمعات أكثر تلاحمًا وتعاونًا، وهو ما ينعكس إيجابيًا على الأفراد والجماعات في النهاية.