في ذاكرة التاريخ المصري، رسخت السينما والمسرح صورة مرعبة لريا وسكينة، حتى باتت أسماؤهما تُذكر في ثقافتنا الشعبية كرمز للجريمة والقتل، وتحوّلتا إلى "السفاحتين"
الأكثر شهرة في القرن العشرين. ولكن، ماذا لو كانت هذه الصورة المرسومة عنهما مجرد خدعة كبرى؟ ماذا لو كانتا في الحقيقة مناضلتين ضد الاحتلال البريطاني في الإسكندرية، وتمت تصفيتهما إعلاميًا وقانونيًا لأسباب سياسية؟
يطرح المخرج السينمائي أحمد عاشور رواية مثيرة، أكد أنها مستندة إلى وثائق وتحقيقات وسجلات رسمية مودعة بأرشيف القضاء المصري، بالإضافة إلى شهادات شهود عيان، تشير إلى أن ريا وسكينة لم تقتلا نساءً كما روجت الأفلام والمسلسلات، بل إن الضحايا كانوا من جنود الاحتلال البريطاني، ممن تم استدراجهم عبر خطة منظمة مع شركائهم حسب الله وعبد العال وعرابي حسان وعبد الرازق يوسف.
ووفقًا لهذه الوثائق، فإن المجموعة كانت تقوم باستدراج الجنود البريطانيين عبر علاقات سطحية، ثم تتم تصفيتهم دفاعًا عن الوطن، في إطار مقاومة شعبية صامتة.
ولم يكن هناك أي دليل مادي واحد على قتل نساء، بل على العكس، تؤكد الوثائق أن التحقيقات الأصلية في الإسكندرية لم تجد أي دليل ضد المجموعة في قضية خطف وقتل النساء.
لكن المثير في الأمر هو تدخل القنصل البريطاني وقتها، الذي ضغط بشدة على السلطات المصرية لتوريط المجموعة في قضية قتل نساء، من أجل إسقاطهم قانونيًا وإعدامهم دون إثارة قضية سياسية تمس الاحتلال. ورغم أن وكيل نيابة الإسكندرية رفض هذه الضغوط وقدم استقالته احتجاجًا، إلا أن المسار السياسي والإعلامي اتخذ منحى آخر.
تقول الرواية إن شهادة الطفلة بديعة، ابنة ريا، كانت الدليل الوحيد المستخدم ضدهم، وهي شهادة تم تلقينها تحت التهديد والوعد بالإفراج عن والدتها، حسب الوثائق التي استند إليها المخرج. لكن المأساة لم تنته هنا، إذ تم إيداع بديعة في دار رعاية الأحداث، والتي احترقت بالكامل بعد أشهر قليلة، لتدفن معها الحقيقة لعقود طويلة.
هذا الطرح يعيدنا إلى واحدة من أضخم عمليات التزييف في التاريخ المصري الحديث، حيث تم استخدام أدوات الإعلام والقانون لإعادة صياغة الحقيقة، وتثبيت رواية مزيفة في وعي الجماهير. ولم يكن الهدف فقط التخلص من مجموعة من المقاومين، بل خلق قصة مشينة تبث الخوف في نفوس المجتمع وتبعده عن المقاومة.
ويشير أحمد عاشور إلى أن القانون المصري في ذلك الوقت لم يكن يجيز إعدام النساء، ولذلك تم تعديل القانون خصيصًا لتنفيذ الحكم في ريا وسكينة، في خطوة تؤكد مدى الإصرار على تصفيتهما جسديًا ومعنويًا.
اللافت أيضًا أن معظم الأعمال الفنية التي تناولت القصة، تجاهلت تمامًا السياق السياسي والمقاوم للمجموعة، وركزت على الجانب الإجرامي المزعوم، مما ساهم في تكريس صورة السفاحتين في أذهان الأجيال، دون أن يسأل أحد: لماذا استقال وكيل النيابة؟ ولماذا لم تُعرض التحقيقات الأصلية؟ ولماذا احترقت دار رعاية بديعة في ظروف غامضة؟
إن هذا المقال لا يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنه يقدم وجهة نظر موثقة ومدعومة بمصادر متعددة، تدعو إلى إعادة قراءة التاريخ المصري بعين نقدية، والتشكيك في الروايات الرسمية التي تكررت حتى صارت "حقائق".
ربما حان الوقت لإعادة فتح هذا الملف المظلم، ليس فقط من أجل تبرئة ريا وسكينة، بل من أجل الاعتراف بأننا تعرضنا لخداع تاريخي ممنهج. فالتاريخ الذي يُكتب تحت ضغط سياسي ليس سوى رواية مفبركة تهدف إلى قتل الحقيقة.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل كنا ضحية أكبر عملية تزييف في تاريخنا المعاصر؟ وهل ستجد الحقيقة النور أخيرًا بعد أكثر من قرن من الظلم؟